ماذا أريد من الله إذا دخلت الجنة؟

مقدمة

حين يفتح الله أبواب جناته لعباده، وتُرفع الحجب، ويُقال﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]، يدرك الإنسان لأول مرة أن رحلته الطويلة على الأرض لم تكن إلا مقدمة صغيرة، أو مشهدًا عابرًا في رواية أبدية. الجنة ليست مكانًا محدودًا بزمن، ولا حياةً تُقاس بالأيام والشهور. إنها سرمدية… حياة بلا نهاية، لا ملل فيها ولا فناء. وقد أخبرنا النبي ﷺ عن رب العزة: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» [متفق عليه]إذًا، أي شيء تخيلته في دنياك، فالذي عند الله أعظم وأوسع. ومع ذلك، تبقى النفس البشرية محبة للفضول والتساؤل، تتوق لاكتشاف ما وراء الحجب. فأنا شخصيًا كثيرًا ما أسأل نفسي: ماذا سأفعل في الجنة؟ كيف سأملأ تلك المليارات من السنين؟ وهل يمكن أن يطرق باب قلبي شيء من الملل هناك؟ القرآن الكريم يجيبنا بوضوح:﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71] أي أن كل ما تتمناه النفس، وكل ما لم يخطر على البال أصلًا، سيحققه الله لعباده في جنّته.



نبذات عما في خاطري

أول ما يتبادر إلى ذهني: أريد أن أرى التاريخ كما هو. منذ اللحظة الأولى: حين خلق الله السماوات والأرض، حين قال لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11].

أريد أن أرى كيف نشأت الحياة على هذه الأرض، كيف تعاقبت الأمم، كيف صنع الإنسان أول أدواته، كيف بنى حضاراته، وكيف سقطت. أريد أن أشاهد الأنبياء وهم يدعون أقوامهم، وأرى الفراعنة والملوك والقياصرة والسلاطين، وأدرك كم من الحقيقة وصل إلينا، وكم من الزيف تسلل إلى كتب التاريخ. أريد أن أسمع كل ما دار على ألسنة البشر في الدنيا. ليس فقط خطب الملوك والسلاطين، ولا قرارات السياسيين في الغرف المغلقة، بل أيضًا الأحاديث الصغيرة جدًا التي تبدو عابرة: ضحك الأصدقاء في المقاهي، أسرار العائلات حول موائد الطعام، همسات العشاق، شكاوى الموظفين، وحتى النكات التي قيلت في لحظة عابرة ثم اختفت من الذاكرة. أريد أن أستمع إلى كل هذا كأنني أفتح كتابًا حيًّا للحياة البشرية، بصفحاتها الجادة والعبثية، المفرحة والمحزنة.

أعتقد أن في هذه الحكايات تفاصيل تكشف لنا أكثر مما تكشفه كتب التاريخ، لأن التاريخ لا يدوّن إلا أحداثًا عظيمة، لكنه يتجاهل اليوميات البسيطة التي صنعت في الحقيقة جوهر حياة البشر. لطالما تمنيت أن أكون “شاهدًا على الماضي” كأنني أشاهد فيلمًا حيًّا، بلا انحياز مؤرخ أو هوى سياسي.

ثم تمتد نفسي إلى الأمام: ماذا بعد موتي؟
كيف سيكمل البشر رحلتهم؟ ما هي الاختراعات التي ستغير وجه الحياة؟ كيف سيتواصلون؟ كيف سيعيشون؟ أريد أن أرى المستقبل البعيد، بعد قرون وقرون، حيث ربما تصبح الأرض شيئًا صغيرًا مقارنة بعوالم أخرى يفتحها الله للبشر. مجرد متابعة تطور الحضارة الإنسانية كفيلة بأن تُشغلني لدهور.

وهناك أمنية أكثر غرابة: أن أملك القدرة، كنوع من التجربة الفكرية، على “تغيير مسار التاريخ” لأرى ما سيحدث.
ماذا لو انتصر هتلر في الحرب؟ ماذا لو فشلت ثورة يوليو وظلّت مصر مملكة؟ ماذا لو لم تسقط الدولة العثمانية؟ ماذا لو لم تولد أمريكا أصلًا؟ بل ماذا لو لم ينزل الإسلام؟ كيف سيكون شكل العالم إذن؟
هذه كلها ليست رغبات حقيقية بقدر ما هي فضول عقلي، كأنني أكتب سيناريوهات بديلة وأشاهد النتائج أمامي.

ثم أعود لنفسي وأسأل السؤال الأصعب: ماذا لو لم أولد أصلًا؟
هل كان العالم سيفتقدني؟ هل كنت سأترك أثرًا يستحق الذكر؟ أم أنني مجرد تفصيلة صغيرة، كائن عابر لا يغير شيئًا؟
هذا السؤال ربما يُخيف في الدنيا، لكنه في الآخرة سيكون له معنى آخر: ربما أكتشف أن الله كتب لي مكانًا في هذا الكون، ولو بدا ضئيلًا في عيني، لكنه عظيم في حكمة الخالق.


هذه بعض خواطري وأمنياتي الخاصة. وربما هناك ما لا أستطيع قوله الآن لإعتقادي أنه قد يكون محرماً التحدث به في الدنيا، لذا سأحتفظ به سرًا بيني وبين ربي. لكن في النهاية، هل سأظل فعلًا مهتمًا بكل ذلك حين أرى ما أعدّه الله؟ ربما لحظة واحدة في الجنة تكفي لأن أنسى كل ما دار بذهني. ربما بمجرد أن يُرفع الحجاب، ويُقال لنا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: 73]، سنعلم أن أعظم ما في الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم، حيث تنتهي كل الأسئلة، وتذوب كل الحيرة، ويبقى اليقين الكامل.

مقدمة للمقال القادم ...

هذا المقال مبني على أساس أن الله قد كتب لي الجنة، ماذا لو العكس، والعياذ بالله؟

تعليقات